أحمد بن علي القلقشندي
335
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلَّا قال ناصره وقام قائمه ، ولا قعد على سرير الخلافة إلَّا وعرف بأنّه ما خاب مستكفيه ولا غاب حاكمه ، نائب اللَّه في أرضه ، والقائم بمقام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وخليفته وابن عمّه ، وتابع عمله الصالح ووارث علمه ، سيدنا ومولانا عبد اللَّه ووليّه « أحمد أبو العبّاس » الحاكم بأمر اللَّه أمير المؤمنين ، أيّد اللَّه تعالى ببقائه الدّين ، وطوّق بسيفه [ رقاب ] الملحدين ، وكبت تحت لوائه المعتدين ، وكتب له النصر إلى يوم الدين ، وكفّ بجهاده طوائف المفسدين ، وأعاذ به الأرض ممّن لا يدين بدين ، وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين ، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون ، وعليه كانوا يعملون ، ونصر أنصاره ، وقدّر اقتداره ، وأسكن في قلوب الرعيّة سكينته ووقاره ، ومكَّن له في الوجود وجمع له أقطاره . ولمّا انتقل إلى اللَّه ذلك السيد ولحق بدار الحقّ أسلافه ، ونقل إلى سرير الجنة عن سرير الخلافة ، وخلا العصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره ، وخليفة يغالب مربدّ الليل بأنواره ، ووارث بني بمثله ومثل أبيه استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الأنبياء صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن نبيّ مقتف على آثاره ، ونسي ولم يعهد فلم يبق إذ لم يوجد النصّ إلَّا الإجماع ، وعليه كانت الخلافة بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بلا نزاع ، اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كلّ طرف به معقود ، وعقد بيعة عليها اللَّه والملائكة شهود ، وجمع الناس له * ( ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَه النَّاسُ وذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) * ( 1 ) . فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلَّف ، ولم يربأ ( 2 ) معه وقد مدّ يده طائعا بمن مدّها وقد تكلَّف ، واجتمعوا على رأي واحد واستخاروا اللَّه تعالى فيه فخار ، وناهيك بذلك من مختار ، وأخذت يمين تمدّ إليها الأيمان ، ويشدّ بها الإيمان ، وتعطى عليها المواثيق ، وتعرض أمانتها على كلّ فريق ، حتّى تقلَّد كلّ
--> ( 1 ) سورة هود 11 ، الآية 103 . ( 2 ) أي لم يبال به . ولم يكترث ؛ يقال : ما ربأت ربأه أي لم أبال به ولم أحتفل له . انظر لسان العرب والقاموس المحيط ، مادة ( ربأ ) وحاشية الطبعة الأميرية .